صحيفه سجاديه
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
 
 
PID
 
 
  • دعاوه ‌و‌ كان اذا ابتدا بالدعاء بدا بالتحميد لله ‌عز‌ ‌و‌ ‌جل‌  
  • CountVisit : 337   
  • Sendtofriend
  •  
  •  
  • دعاوه ‌و‌ كان اذا ابتدا بالدعاء بدا بالتحميد لله ‌عز‌ ‌و‌ ‌جل‌
     
     للدعاء دوره ‌فى‌ معرفه الله، كماله دوره ‌فى‌ عباده الله بالتذلل ‌و‌ الخضوع ‌و‌ الخشوع، ‌و‌ الاستغراق الروحى ‌فى‌ التعبير عن الحاجه المطلقه- ‌فى‌ وجود الانسان- لله الغنى المطلق، بحيث تتحرك العباده ‌فى‌ الجو ‌و‌ المضمون ‌و‌ الايحاء.
     فان قيمه الدعاء، انه ينفتح بالانسان على الله ليطوف بفكره ‌فى‌ مواقع عظمته، ‌و‌ مجالات نعمته، ليتعرف اليه ‌فى‌ كل صفه ‌من‌ صفاته، ‌و‌ كل اسم ‌من‌ اسمائه، مما يفرض عليه الانتقال ‌من‌ افق الى افق، ‌و‌ ‌من‌ فكره الى فكره. فاذا عاش هذا الجو الفكرى الروحى المملوء بمفردات العقيده ‌و‌ ظواهر الكون ‌و‌ حركه الحياه، ‌و‌ راى اثر ذلك ‌فى‌ الوجود كله، ‌و‌ فاعليته ‌فى‌ وجوده بالذات، امتلات ذاته بعظمه ربه، ‌و‌ شعر بالامتنان لنعمه، فكان الحمد لله تعبيرا عن كل ذلك الجو، ‌و‌ حيويه ذلك الشعور، ‌و‌ حركيه العبوديه ‌فى‌ الوجدان.
     ‌و‌ ليس الحمد كلمه تقال، ‌و‌ لكنه فكره تتحرك ‌فى‌ جوله الفكر الانسانى بكل مواقع حمد الله ‌فى‌ صفاته ‌و‌ ‌فى‌ ذاته، ‌و‌ ‌فى‌ علاقته بوجود الانسان ‌من‌ حيث المبدا ‌و‌ التفاصيل، فيعيش مع الله عيش المعرفه الحيه التى يلتقى فيها العقل بالاحساس ‌و‌ الوجدان بالحركه.
     ‌و‌ هذا الدعاء يمثل الاسلوب الذى يتميز ‌به‌ المنهج القرآنى ‌فى‌ الحمد لله، ليتوزع معناه بين المناجاه ‌فى‌ الروح ‌و‌ المعرفه ‌فى‌ العقل.
     
    موضوعات الدعاء:
     
     الفصل الاول
     
     فنلاحظ- ‌فى‌ بدايته- اطلاله على الجانب الفكرى العقيدى ‌فى‌ معنى «الاول ‌و‌ الاخر» كصفتين ‌من‌ صفات الله، ليتحدث عنهما بطريقه تختلف عن حركتهما ‌فى‌ المخلوق، فالاول ‌فى‌ وجود الاشياء حركه حدوث بعد العدم سابقه على وجود الاخر، ‌و‌ الاخر حركه نهايه الوجود ‌فى‌ سلسله الوجودات التى تفنى فتنتهى الى العدم، ليكون ‌هو‌ الذى يستهلكه العدم ‌فى‌ النهايه.
     اما الاوليه ‌فى‌ الله فهى اوليه الازل الذى ‌لا‌ ينطلق ‌من‌ العدم، بل هى نسبه للاشياء الاخرى ‌فى‌ تقدمه عليها، كما ‌ان‌ الاخريه تمثل تاخره عنها، ‌لا‌ نهايه وجوده بعدها، ليكون ‌فى‌ آخر السلسله ‌من‌ هذه الناحيه، لانه خارج نطاق الزمان كله، ‌و‌ هكذا يثير الدعاء مساله استحاله رويته بابصار الناظرين ‌و‌ ادراك مدى صفاته ‌فى‌ اوهام الواصفين، فلا مجال لاحد ‌ان‌ يحيط ‌به‌ ‌فى‌ معنى جماله ‌و‌ جلاله.
     
     الفصل الثانى
     
     ‌و‌ ياتى الفصل الثانى، ليثير مساله الحمد ‌فى‌ خلق الخلق كلهم، فلم يخلقهم عن مثال، بل كان ذلك كله ابتداعا ‌من‌ ابداع ذاته، ‌و‌ اختراعا ‌من‌ وحى ارادته.
     ‌و‌ كانت سنته- ‌فى‌ حركه وجودهم- انه اطلقهم ‌فى‌ الحياه ‌فى‌ مجرى محدود بحدود السير على طريق ارادته ‌فى‌ اتجاه اطاعه اوامره ‌و‌ نواهيه، ‌و‌ الانفتاح على محبته ‌فى‌ الوقوف ‌فى‌ مواقع رضاه، ‌و‌ جعل لكل واحد منهم نظاما معلوما محددا، فلا يملكون تاخير ‌ما‌ قدمهم اليه، ‌و‌ ‌لا‌ تقديم ‌ما‌ اخرهم عنه، فهو الذى يملك حدود الاشياء ‌فى‌ علاقه الانسان بها، ‌و‌ علاقتها به. ‌و‌ تكفل بارزاقهم، فلكل موجود حى رزق معلوم ‌لا‌ ينقص ‌و‌ ‌لا‌ يزيد عما حدده الله، ‌و‌ حدد لهم آجالهم فلا يملكون حريه التحرك ‌فى‌ وجودهم خارج نطاق الاجل المحتوم، فهم يتحركون ‌فى‌ ايام العمر نحوه، ‌و‌ يجهدون ‌فى‌ اعوام الدهر للوصول اليه..
     فاذا جاء الاجل، كانت النهايه للحياه معه، ‌و‌ لكن ‌لا‌ لتموت ‌فى‌ عمق الوجود الانسانى ‌فى‌ ذاته، بل لتنطلق ‌من‌ جديد ‌فى‌ عالم آخر ‌و‌ رحله جديده، ‌فى‌ المدى الذى ‌لا‌ يعلم نهايته الا الله، فقد كانت الحياه الدنيا للعمل، ‌و‌ تبقى الحياه الاخرى للجزاء، لتنطلق المساله معهما ‌فى‌ نطاق التكامل بين المقدمه ‌و‌ النتيجه، ليحصل المحسنون على الثواب الجزيل ‌من‌ خلال احسانهم، ‌و‌ ليعاقب المسيئون بالعقاب الشديد جزاء اساءتهم، فذلك ‌هو‌ العدل الذى يحركه ‌فى‌ اعمال عباده، ‌فى‌ مواجهتهم للمسووليه العمليه ‌فى‌ كل حركه حياتهم.
     ‌و‌ تلك هى قصه سنه الله ‌فى‌ الانسان، ‌فى‌ علم الله ‌و‌ حكمته، فهو الذى خلقه، ‌و‌ ‌هو‌ الذى يجرى للوجود فى- ذات الانسان- نظامه بحسب حكمته ‌و‌ رحمته ‌فى‌ كل ‌ما‌ يصلح امره، ‌و‌ يعمق تاثير وجوده ‌فى‌ الحياه كلها، فلا يسال عما يفعل لانه الخالق، ‌و‌ ‌هم‌ يسالون لانهم المخلوقون، ‌و‌ الخالقيه تفرض- ‌فى‌ معناها- شموليه القدره ‌و‌ حريه الحركه ‌من‌ حيث ذات الهيمنه المطلقه، ‌و‌ المخلوقيه تفرض الخضوع المطلق للخالق ‌فى‌ طبيعه الوجود ‌و‌ ‌فى‌ مدى حركته ‌و‌ مسووليته.
     
     الفصل الثالث
     
     ‌و‌ ‌فى‌ الفصل الثالث، حديث عن الحمد، كنعمه ‌من‌ الله على الانسان ‌فى‌ الهامه له ‌و‌ تعريفه اياه، فلو ‌لا‌ ذلك ‌لا‌ نطلق الانسان ‌فى‌ اجواء منن الله المتتابعه ‌و‌ نعمه الكثيره، ‌من‌ دون ‌ان‌ يعيش معنى الحمد له، لاستغراقه ‌فى‌ لذاته ‌و‌ شهواته ‌و‌ الوان حياته المتنوعه، ‌و‌ ‌من‌ دون ‌ان‌ يتحرك ‌فى‌ تاديه الشكر لله على ذلك كله، ‌لا‌ بتعاده عن ادراك اساس امتداد المنه ‌و‌ ترادف النعمه، الامر الذى يسى ء الى معنى الانسانيه ‌و‌ يحوله الى حاله البهيميه، لان انسانيه الانسان تتمثل ‌فى‌ احساسه بالقيمه ‌و‌ تقديره لها، و شكره للنعمه، ‌و‌ انفعاله الروحى بهما ‌و‌ انفتاحه على مصدرهما، باعتبار انه يتعدى، ‌فى‌ نظرته الى ‌ما‌ يقدم اليه ‌من‌ موقع الحاجه الطبيعيه التى تستغرق الموجود الحى ‌فى‌ طبيعتها الماديه، ‌فى‌ علاقته بالجسد، الى القيمه الروحيه ‌فى‌ دلالتها بمضمون العطاء ‌و‌ الاحسان ‌و‌ الانعام، بما يفرضه ذلك ‌من‌ وعى الخير ‌فى‌ تاثر الانسان به، فاذا فقد ذلك ‌فى‌ عمق وجدانه، خرج عن معنى الانسانيه ‌فى‌ ذاته ‌و‌ تحول الى مجرد شخص يستغرق ‌فى‌ حاجاته دون ‌ان‌ يتعمق ‌فى‌ معناها الروحى ‌فى‌ حركه الخير، فيكون- ‌فى‌ ذلك- جسدا ياكل ‌و‌ يشرب ‌و‌ يلتذ ‌و‌ يشتهى، كما هى البهيمه ‌فى‌ احساسها بالحاجه ‌و‌ انفعالها بها، بل ‌هو‌ اضل سبيلا لانه يملك العقل ‌و‌ الاحساس المنفتح على ماوراء الماده، بينما ‌لا‌ تملك الانعام مثل ذلك لارتباطها بالاشياء ‌من‌ خلال الاحساس المباشر، ‌و‌ ربما تكون- ‌فى‌ بعض نماذجها- منفتحه على ممارسه الشكر، بانجذابها الى ‌من‌ احسن اليها ‌فى‌ صوره ‌و‌ فاء متحرك ‌فى‌ علاقتها به.
     ‌و‌ هكذا نقف- امام الحمد لله- ‌فى‌ التوفيق لمعرفته، ‌و‌ الالهام لشكر نعمه، ‌و‌ حركه العلم ‌فى‌ عقولنا ‌فى‌ ‌و‌ عينا لربوبيته، ‌و‌ روح الاخلاص له ‌فى‌ توحيده ‌و‌ نفى الشركاء عنه، ‌و‌ ابعادنا عن الالحاد ‌و‌ الشك، ‌و‌ تقريبنا ‌من‌ اجواء الايمان ‌و‌ اليقين، فنجد فيه الحمد المتنامى، القوى، المتصاعد، الذى نبنى فيه للحمد قواعده ‌فى‌ الحامدين الاخرين، ‌و‌ نحصل على السبق ‌فى‌ ممارستنا له، ‌و‌ الوسيله التى تمنحنا النور الذى يضى ء ‌به‌ لنا ظلمات البرزخ الذى يمثل الخط الفاصل بين الدنيا ‌و‌ الاخره، ‌و‌ تسهل لنا سبيل الوصول الى ساحه المبعث التى نواجه فيها مسئوولياتنا، ‌و‌ نشرف ‌من‌ خلالها على مواقعنا الجديده، التى تنتظرنا ‌من‌ خلال نتائج اعمالنا ‌فى‌ مواقف الاشهاد، التى يقوم الناس فيها امام رب العالمين، لتاخذ كل نفس جزاءها ‌من‌ خلال ‌ما‌ اكتسبته ‌فى‌ حياتها، فلا يظلم الله نفسا شيئا، لان العمل ‌هو‌ المقياس ‌فى‌ الثواب ‌و‌ العقاب، ‌و‌ ‌لا‌ يملك احد التدخل ‌فى‌ امر الله، ‌فى‌ ‌ما‌ يريده لعباده ‌من‌ المصير ‌فى‌ حركه القرب ‌و‌ البعد ‌و‌ الجنه ‌و‌ النار، فاذا اراد ادخال احد النار ‌و‌ انزال عقوبته به، فلن يجد له ناصرا ‌من‌ دون الله، مهما علا شانه.
     ‌و‌ تنطلق بنا بركات الحمد الذى ينطلق ‌من‌ عمق الوجدان الايمانى، لترتفع بنا الى اعلى عليين ‌فى‌ كتاب مرقوم، يشهده المقربون، فتقر ‌به‌ عيوننا، ‌و‌ تبيض ‌به‌ وجوهنا، ‌و‌ نبتعد ‌به‌ عن نار الله الى محل كرامته ‌فى‌ جنته، ‌و‌ ندخل فيه مجتمع الملائكه ‌و‌ الانبياء ‌فى‌ دار الخلود، لننضم الى هذا الجمع ‌فى‌ مواقع القرب الى الله.
     
     الفصل الرابع
     
     ‌و‌ ‌فى‌ الفصل الرابع، انفتاح الحمد على جمالات الخلق، ‌فى‌ حسن الصوره، ‌و‌ ابداع الهيئه، ‌و‌ روعه التكوين، ‌و‌ حريه الحركه، ‌و‌ انفتاح العقل على كل مواقع الفكر ‌فى‌ الحياه، ‌و‌ دقه الاجهزه التى ركبها فيه، حتى تحول هذا الانسان الى موجود حى فاعل، ‌فى‌ حركه وجوده ‌و‌ وجود الاشياء الاخرى.
     ‌و‌ استغراق الحمد- مع ذلك كله- ‌فى‌ طيبات الرزق التى اعطت الانسان ‌فى‌ الدنيا عناصر القوه ‌و‌ الاستمرار ‌فى‌ وجوده، ‌و‌ جعلته منفتحا على لذاته ‌و‌ شهواته، ‌و‌ منطلقا مع كل حاجاته الجسديه، ليجد ‌فى‌ امتداد عمره ‌ما‌ يغنيه ‌و‌ يستلذه ‌و‌ يشتهيه ‌و‌ يرتاح اليه ‌و‌ يقبل عليه.
     اما علاقته بالكون ‌من‌ حوله، ‌و‌ بالمخلوقات الاخرى الحيه ‌و‌ الناميه ‌و‌ الجامده، فقد منحه السيطره على الخلق كله ‌من‌ خلال ‌ما‌ اعطاه ‌من‌ عناصر القدره ‌فى‌ ذاته، ‌و‌ وسائل القوه ‌فى‌ وجوده، ‌و‌ حيويه العقل ‌فى‌ حياته، ‌و‌ حريه الحركه ‌فى‌ جسده، ‌و‌ سخر له الكون كله ‌و‌ اعطاه مفتاح اسراره، ‌و‌ عرفه سنن وجوده، ‌و‌ سلطه على كل مواقعه ‌و‌ مصادره ‌و‌ موارده، فاصبح الانسان السيد المطاع ‌فى‌ الكون بعزه الله. ‌و‌ هكذا عبر الله عن ذلك بقوله سبحانه: (و سخر لكم الليل ‌و‌ النهار ‌و‌ الشمس ‌و‌ القمر ‌و‌ النجوم مسخرات بامره)(النحل: 12).
     ‌و‌ قوله سبحانه: (و ‌ما‌ ذرا لكم ‌فى‌ الارض مختلفا الوانه)(النحل: 13).
     ‌و‌ قوله تعالى: (و سخر لكم ‌ما‌ ‌فى‌ السماوات ‌و‌ ‌ما‌ ‌فى‌ الارض جميعا)(الجاثيه: 13).
     
    و قوله تعالى: (و جعل لكم ‌من‌ الجبال اكنانا ‌و‌ جعل لكم سرابيل تقيكم الحر ‌و‌ سرابيل تقيكم باسكم)(النحل: 81).
     ‌و‌ قوله تعالى: (و ‌هو‌ الذى سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا ‌و‌ تستخرجوا منه حليه تلبسونها ‌و‌ ترى الفلك مواخر فيه ‌و‌ لتبتغوا ‌من‌ فضله ‌و‌ لعلكم تشكرون)(النحل: 14).
     ‌و‌ قوله تعالى: (اولم يروا انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاما فهم لها مالكون ‌و‌ ذللناها لهم فمنها ركوبهم ‌و‌ منها ياكلون)(يس: 72 -71).
     ‌و‌ قوله تعالى: (و الانعام خلقها لكم فيها دف ء ‌و‌ منافع ‌و‌ منها تاكلون ‌و‌ لكم فيها جمال حين تريحون ‌و‌ حين تسرحون ‌و‌ تحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس ‌ان‌ ربكم لرووف رحيم ‌و‌ الخيل ‌و‌ البغال ‌و‌ الحمير لتركبوها ‌و‌ زينه ‌و‌ يخلق ‌ما‌ ‌لا‌ تعلمون)(النحل: 8 -5).
     ‌و‌ هكذا نجد ‌ان‌ الله خلق الانسان ليكون سيد الارض التى يحرك ‌فى‌ اوضاعها طاقته ‌من‌ اجل ‌ان‌ ينظمها ‌و‌ يسيرها ‌و‌ يعمرها ‌من‌ حيث موقع الخلافه التى ارادها الله ‌فى‌ بدايه خلق آدم (عليه السلام).
     ‌و‌ تلك هى النعمه الكبرى التى يرتفع بها شان الانسان ليحمد الله عليها ‌و‌ يشكره ‌من‌ خلالها.
     ‌و‌ ينطلق الحمد ‌فى‌ نطاق احساس الانسان بالعزه امام الكون كله ‌و‌ الانسان كله، لان الله لم يجعله محتاجا الى ‌اى‌ شى ء ‌من‌ اشياء الموجودات، فهى ‌فى‌ ذاتها تختزن معنى الحاجه اليه تعالى، بل جعله محتاجا اليه وحده، لان كل شى ء يمثل اداه للخالق ‌فى‌ ايصال نعمه الى عباده، فليس لهم دور مستقل ‌فى‌ ذلك كله، لانهم ‌لا‌ يملكون الاستقلال ‌فى‌ وجودهم ‌و‌ ‌فى‌ كل مفرداته الصغيره ‌و‌ الكبيره.
     ‌و‌ تلك نعمه تتصل بالسمو الروحى ‌فى‌ معنى الحريه ‌فى‌ المضمون المتصل بالتحرر ‌من‌ الحاجه الى الغير، ‌و‌ بالسر الوجودى ‌فى‌ الافتقار الى الله، ‌و‌ الحاجه اليه ‌فى‌ المضمون المتصل بتوحيد العبوديه لله.
     ‌و‌ تلك هى- ‌فى‌ مجموع هذه النعم الكبرى- مواقع الحمد ‌و‌ مواضع الشكر، فكيف نطبق حمده؟ ‌و‌ متى نودى شكره؟.
     
     الحمد لله ‌فى‌ الجسد ‌و‌ الروح:
     
     ‌و‌ للحمد معنى ‌فى‌ الاجهزه التى يتميز بها الانسان ‌فى‌ حركته، فقد ركب الله فيه آلات البسط ‌و‌ ادوات القبض ‌فى‌ الاعصاب ‌و‌ العضلات ‌و‌ الاوتار ‌و‌ الرباطات ‌و‌ العروق ‌و‌ الاغشيه ‌و‌ اللحوم ‌و‌ الشحوم ‌و‌ غيرها، مما يمكن الانسان ‌من‌ الانبساط ‌و‌ الانقباض ‌فى‌ عضلاته، لتكون له حريه الحركه ‌فى‌ اداره جسده كما يشاء ‌فى‌ الاعمال التى قد تفرض البسط تاره ‌و‌ القبض اخرى.
     ‌و‌ للحمد معنى ‌فى‌ الروح التى تمد الجسد بالحياه، ‌و‌ ‌فى‌ الاعضاء التى يتحرك ‌من‌ خلالها ‌فى‌ اداره شوونه ‌و‌ توجيه اعماله.
     ‌و‌ هذا كله يجعل طبيعه الوجود المادى ‌و‌ الروحى منفتحه على الحمد بكل آفاقه، بحيث يتصل الحمد بالعمر كله ‌و‌ بالحياه كلها، ‌فى‌ وعى حركى للوجود ‌فى‌ كل تفاصيله الجسديه، فاذا امتد الى طيبات الرزق ‌و‌ الفضل الجليل ‌و‌ المن العظيم ‌فى‌ ‌ما‌ اغنى ‌به‌ الانسان ‌و‌ اعطاه ‌من‌ المال، فان الحمد يتحرك عند ذلك ‌فى‌ حركه الانسان ‌فى‌ كل شروط الاستمرار لحياته.
     
     الحياه مسووليه:
     
     ‌و‌ لم تكن هذه الحياه لهوا ‌و‌ عبثا ‌و‌ فراغا ‌و‌ استرخاء، بل كانت مسووليه كبرى حتى ‌فى‌ الحزن ‌و‌ الفرح، ‌و‌ اللذه ‌و‌ الالم، ‌و‌ التعب ‌و‌ الراحه، ‌و‌ الفقر ‌و‌ الغنى، ‌و‌ العسر و اليسر، ‌و‌ لذلك كانت الرسالات تجربه للانسان ‌فى‌ مضمون احساسه بالعبوديه، ‌و‌ خضوعه للالوهيه، ‌و‌ انفتاحه على التوحيد، ‌و‌ حركه ‌من‌ اجل ‌ان‌ يكون للحياه هدف، ‌و‌ للوجود غايه، ‌فى‌ العباده الخالصه لله، المنطلقه ‌فى‌ ‌خط‌ عماره الكون ‌و‌ اغنائه ‌و‌ تنميته ‌و‌ تطويره، فكانت ‌او‌ امر الله للعباد اختبارا للطاعه التى هى عمق العبوديه، ‌و‌ كانت نواهيه ابتلاء لهم ‌فى‌ شكرهم لنعمه، لينطلق الحرمان مما نهى عنه ‌فى‌ موازنه الاشباع ‌فى‌ ‌ما‌ انعم ‌به‌ عليهم، ‌و‌ لكنهم خالفوا السبيل القويم، ‌و‌ انحرفوا عن الصراط المستقيم، فعصوا اوامره، ‌و‌ انطلقوا ‌فى‌ السبل المتعدده المتنوعه ‌فى‌ ارتكاب نواهيه، ‌و‌ التمرد على زواجره، ‌و‌ كان ‌من‌ الحق لله ‌ان‌ يبادرهم بالعقوبه، ‌و‌ يعاجلهم بالنقمه، ‌و‌ لكنه استبدل بعقوبته رحمته تكرما منه، ‌و‌ انظرهم ليفكروا ‌فى‌ اوضاعهم المنحرفه، ‌و‌ ليراجعوا انفسهم، ليكشفوا الخطا الكبير فيستبدلوه بالصواب، ‌و‌ ذلك ‌هو‌ حلم الله برافته بعباده. ‌و‌ هكذا ‌دل‌ عباده على التوبه التى تمحو الذنوب ‌من‌ كتاب الاعمال، كما تمحوها ‌من‌ افق النفس، ‌و‌ تقود الانسان الى تصحيح طريقه، ‌و‌ تبديل واقعه، ليخرج ‌من‌ ظلمات المعصيه الى انوار الطاعه، ‌و‌ ‌من‌ التواء الانحراف الى استقامه الحق.
     
     نعمه التوبه:
     
     ‌و‌ تلك هى النعمه الكبرى التى تمنح الحمد عنفوانه ‌و‌ روحه، لانها تنقل الانسان ‌من‌ غضب الله الى رضوانه، ‌و‌ تهديه الى طريق الجنه، ‌و‌ تبعده عن طريق النار، فهو الذى هدانا اليها ‌و‌ دلنا عليها بفضله ‌و‌ توفيقه، فلو لم يكن له نعمه غيرها، لكانت هى حقيقه الاحسان ‌و‌ جوهر الفضل، لانها ‌من‌ اعظم نعم الله على عباده.
     ‌و‌ لو نظرنا الى طريقته ‌فى‌ الامم التى سبقتنا ‌فى‌ تقاليد التوبه ‌و‌ فرائضها، لعرفنا قيمه النعمه الكبرى ‌و‌ الفضل العظيم ‌فى‌ ‌ما‌ اولانا ‌من‌ تسهيلها علينا، فقد وضع عنا ‌ما‌ ‌لا‌ طاقه لنا ‌به‌ ‌من‌ التكاليف الشاقه، ‌و‌ لم يكلفنا الا بما يتحمله ‌و‌ سعنا، فلم يشدد علينا بما يثقل القدره فنقع فيه ‌فى‌ الحرج، ‌و‌ لم يجشمنا بلوغ الاهداف عن طريق الوسائل العسيره، بل اعطانا اليسر كله ‌فى‌ ذلك، ‌و‌ بذلك فتح لنا الطريق الواسعه الى مواقع رضاه، فلم يجعل علينا ‌فى‌ الدين ‌من‌ حرج، فلا عذر للعاصين، ‌و‌ ‌لا‌ حجه للمنحرفين، لان باب الطاعه واسع سعه رحمه الله، فالهالك ‌هو‌ ‌من‌ ابتعد عنه ‌و‌ رفض الدخول اليه، ‌و‌ السعيد ‌هو‌ الذى رغب فيه ‌و‌ دخل اليه، طمعا بما عند الله، ‌و‌ خوفا ‌من‌ سخطه.
     ‌و‌ هذا ‌هو‌ الذى يجعل الرحمه الالهيه للانسان متصله بالبر نامج الروحى ‌و‌ العملى الذى وضعه الله له، ‌و‌ يسره لحركته، كما كانت متصله بالجانب الوجودى ‌من‌ حياته، ‌و‌ ‌هو‌ الذى يفتح له ابواب جنته ‌و‌ يغلق عنه باب ناره ‌من‌ خلال التوبه ‌فى‌ اراده التغيير ‌و‌ التصحيح، ‌و‌ ‌من‌ خلال المغفره ‌فى‌ اراده الرضوان.
     
     نعمه الحمد:
     
     ‌و‌ يبقى الحمد- ‌فى‌ ‌و‌ عينا له- كلمه تختصر ‌فى‌ داخلها كل كلمات الملائكه ‌فى‌ حمده، ‌لا‌ سيما الذين ‌هم‌ الاقرب اليه ‌و‌ الادنى منه ‌فى‌ علو الدرجه ‌و‌ رفعه المقام ‌و‌ روحيه القرب، ‌و‌ تختزن ‌فى‌ اعماقها كل حمد الحامدين ‌لا‌ سيما الارضى اليه منهم. ‌و‌ يرتفع الحمد ليبلغ افضل المواقع ‌و‌ اسمى الدرجات حتى يفضل كل حمد، ليكون له الفضل ‌فى‌ معناه، كفضل الله على جميع خلقه.
     فذلك ‌هو‌ طموحنا ‌فى‌ بلوغ الغايه المثلى ‌فى‌ ذلك كله، انطلاقا ‌من‌ نعمه علينا ‌و‌ على جميع عباده الماضين ‌و‌ الباقين التى ‌لا‌ نحصى عددها، ‌و‌ لكن الله احصاها ‌فى‌ علمه، ليكون لكل نعمه منها اضعاف ‌من‌ الحمد، ‌و‌ ليمتد الحمد بامتداد الوجود كله، فلا ينتهى الى ‌حد‌ محدود، ‌و‌ ‌لا‌ يبلغ عددا معينا ‌و‌ ‌لا‌ غايه محدده، ليكون الحمد بذلك الوسيله الى طاعته ‌و‌ عفوه ‌من‌ خلال ‌و‌ عينا لمواقع العظمه ‌من‌ ربوبيته، ‌و‌ الوصول الى رضوانه، ‌و‌ الذريعه الى غفرانه، ‌و‌ الطريق الى جنته، ‌و‌ الحارس ‌من‌ نقمته، ‌و‌ المومن ‌من‌ غضبه، ‌و‌ الظهير على طاعته، ‌و‌ الحاجز عن معصيته، ‌و‌ العون على تاديه
    حقه ‌و‌ وظائفه. ‌و‌ لينطلق الحمد ‌فى‌ قضيه المصير ليكون سببا للسعاده مع اولياء الله، ‌و‌ وسيله للوصول الى مقام الشهداء، فهو ولينا الذى نحمده ‌و‌ نستعين به، ‌و‌ ‌هو‌ حسبنا ‌و‌ نعم الوكيل.
     الحمد لله الاول بلا اول كان قبله، ‌و‌ الاخر بلا آخر يكون بعده، الذى قصرت عن رويته ابصار الناظرين، ‌و‌ عجزت عن نعته اوهام الواصفين.
     
    الحمد لله الاول ‌و‌ الاخر:
     
     ‌يا‌ رب، انا هنا ‌فى‌ الاجواء الممتده ‌فى‌ الزمن الازلى ‌فى‌ حركه الابد، ‌و‌ ‌فى‌ الافاق الرحبه التى تشمل الوجود كله، ‌و‌ ‌فى‌ المعانى التى تتنوع ‌و‌ تتلون ‌و‌ تحتوى الحياه كلها ‌فى‌ مضمونها الفكرى، ‌و‌ انفتاحها الروحى، ‌و‌ انسيابها الشعورى...انا هنا، اتطلع اليك فلا اجد احدا يقترب ‌من‌ معنى الوجود ‌فى‌ وجودك، ‌و‌ ‌من‌ ‌سر‌ الحقيقه ‌فى‌ ذاتك، ‌و‌ ‌من‌ امتداد المعنى ‌فى‌ اللانهايه ‌من‌ معناك...انا هنا، ‌فى‌ رحابك اطوف، ‌و‌ ‌فى‌ آفاقك اسمو، ‌و‌ ‌فى‌ ابداعك اهيم، ‌و‌ ‌فى‌ كل معنى للحمد ‌فى‌ صفات العظمه ‌من‌ صفاتك اتحرك، فارانى انفتح على الحمد كله عندما التقى بمواقع القدس ‌من‌ حمدك.
     الحمد لله الذى لم يقترب الزمن ‌من‌ وجوده، لانه ‌هو‌ الذى اعطى الزمن وجوده ‌و‌ حدد له بداياته ‌و‌ نهاياته، ‌و‌ اطلق سره ‌فى‌ الكون ليحتوى حركته ‌فى‌ كل شى ء يتحرك فيه، فكيف يدخل الزمن ‌فى‌ معنى ذاته، فلا معنى للنسبيه ‌فى‌ صفه الاول اذا ‌و‌ صفته بها، لان الكلمه قد تختزن ‌فى‌ معناها الحدوث الذى يخترق العدم مفهومه، فلا نتصور معنى الاوليه ‌فى‌ معنى القبليه الزمنيه ‌فى‌ الوجود، كما ‌لا‌ معنى للنسبيه ‌فى‌ صفه الاخر له، لانها قد تحمل معنى الايحاء بنهايه الوجود ‌فى‌ موقعه ليكون خاضعا لحدود القبليه ‌و‌ البعديه ‌فى‌ الاوليه ‌و‌ الاخريه عنده.
     ‌ان‌ المشكله ‌فى‌ اللغه انها تمثل تجربه الذهن البشرى ‌فى‌ محسوساته، فلا تملك التعبير عن المطلق ‌فى‌ الوجود، ‌و‌ ‌لا‌ المجرد عن الزمان ‌و‌ المكان ‌فى‌ المعنى، لانه لم يلتق بذلك ‌فى‌ تجربه الحس، ‌و‌ لذلك كانت الكلمات علامات على المعنى، ‌لا‌ التعبير عن ‌سر‌ المعنى.
     ربما لم يستطع الانسان الخاضع للحس ‌فى‌ كل مضمونه الوجودى ‌ان‌ يتعقل الغيب ‌و‌ المطلق ‌و‌ المجرد ‌و‌ الخالى عن معنى الزمان ‌و‌ المكان، بالطريقه التفصيليه التى يتصور بها الاشياء المحسوسه لديه، ‌و‌ لذلك فانه ‌لا‌ يملك الدقه ‌فى‌ التعبير عنها، ‌و‌ لكنه يملك ادراك السر ‌فى‌ طبيعه هذه المفاهيم ‌من‌ خلال المعادلات العقليه التى تدرس الزمن، فترى انه ‌لا‌ يملك الثبات ‌فى‌ الوجود، بل ‌هو‌ معنى نسبى منتزع ‌من‌ نسبه موجود الى موجود، ‌و‌ حركه الى واقع، مما يجعله شيئا محدودا ‌فى‌ داخل الوجود المحسوس ‌من‌ دون ‌ان‌ يكون ذاتيا ‌فى‌ الوجود، ‌و‌ هذا ‌هو‌ السر ‌فى‌ ‌ان‌ بعض الفلاسفه ‌من‌ الشعراء لم يتعقلوا المساله وجدانيا عندما بداوا يخلطون بين المعنى النسبى الرابط بين الاشياء المحسوسه ‌و‌ المعنى الذاتى الذى ‌هو‌ الحقيقه الكامنه ‌فى‌ معنى ذاتها.
     الحمد لله، ‌فى‌ وجودك الذى ‌لا‌ يقترب ‌من‌ الحس ‌فى‌ معناه، لانه يرتبط بالمحدود ‌فى‌ تفاصيله، فكيف يمكن ‌ان‌ يدرك المطلق الذى ‌لا‌ حدود له ‌و‌ ‌لا‌ تفاصيل، فلا تدركه الابصار، ‌و‌ ليس كمثله شى ء.
     ‌و‌ تبقى الكلمات- ‌فى‌ السياق التعبيرى اللغوى- حركه ‌فى‌ تقريب الفكره، تماما كما هى وسائل الايضاح التى تقرب المعنى الى الذهن بالاسلوب المادى.
     ‌و‌ اذا كانت بعض كلمات القرآن الكريم توحى بالصوره الحسيه لله ‌فى‌ الحديث عن وجهه، كما ‌فى‌ قوله تعالى: (كل شى ء هالك الا وجهه)(القصص: 88).
     (اينما تولوا فثم وجه الله)(البقره: 155).
     ‌او‌ عن يد الله، كما ورد ‌فى‌ قوله تعالى: (يد الله فوق ايديهم)(الفتح: 10).
     ‌او‌ النظر الى الله: (وجوه يومئذ ناضره الى ربها ناظره)(القيامه: 22).
    الى غير ذلك ‌من‌ الايات، فان القرآن نفسه ‌هو‌ الدليل على ‌ان‌ هذه التعبيرات كانت وارده على سبيل الاستعاره ‌و‌ المجاز، فاذا كان الله (ليس كمثله شى ء)(الشورى: 11)، فان ذلك يكون قرينه على ‌ان‌ اتصافه بصفات خلقه كان مجازيا، ‌و‌ اذا كان الله (لا تدركه الابصار)(الانعام: 103)، فان ذلك دليل على ‌ان‌ النظر الى الله ليس نظرا الى ذاته، بل الى مظاهر عظمته الداله عليه.
     ليس هذا ‌من‌ التاويل ليقول قائل: لماذا نطرح الظاهر الى التاويل ‌من‌ دون ضروره؟ بل ‌هو‌ وجه ‌من‌ وجوه الاخذ بالظهور، باعتبار ‌ان‌ اراده المعنى المجازى على سبيل الاستعاره ‌من‌ اللفظ يمثل لونا ‌من‌ الوان الظهور بالقرينه على اساس تفسير القرآن بالقرآن، لان القرينه المتصله ‌او‌ المنفصله تمنع اراده الظهور الوضعى لتستبدله بالظهور بالقرينه.
     ‌و‌ اذا لم يكن للحس دور ‌فى‌ معرفته، فان العقل ‌هو‌ الذى يكتشف وجوده ‌من‌ خلال مظاهر عظمته، ‌و‌ لكنه ‌لا‌ يستطيع الوصول الى الوعى الكامل لصفاته، الا بما عرفنا منها، ‌و‌ هذا ‌هو‌ ‌ما‌ يقف الواصفون امامه عاجزين حيارى ‌لا‌ يملكون الكثير مما يقولون ‌او‌ مما يصفون.
    التعبير عن المطلق ‌فى‌ الوجود، ‌و‌ ‌لا‌ المجرد عن الزمان ‌و‌ المكان ‌فى‌ المعنى، لانه لم يلتق بذلك ‌فى‌ تجربه الحس، ‌و‌ لذلك كانت الكلمات علامات على المعنى، ‌لا‌ التعبير عن ‌سر‌ المعنى.
     ربما لم يستطع الانسان الخاضع للحس ‌فى‌ كل مضمونه الوجودى ‌ان‌ يتعقل الغيب ‌و‌ المطلق ‌و‌ المجرد ‌و‌ الخالى عن معنى الزمان ‌و‌ المكان، بالطريقه التفصيليه التى يتصور بها الاشياء المحسوسه لديه، ‌و‌ لذلك فانه ‌لا‌ يملك الدقه ‌فى‌ التعبير عنها، ‌و‌ لكنه يملك ادراك السر ‌فى‌ طبيعه هذه المفاهيم ‌من‌ خلال المعادلات العقليه التى تدرس الزمن، فترى انه ‌لا‌ يملك الثبات ‌فى‌ الوجود، بل ‌هو‌ معنى نسبى منتزع ‌من‌ نسبه موجود الى موجود، ‌و‌ حركه الى واقع، مما يجعله شيئا محدودا ‌فى‌ داخل الوجود المحسوس ‌من‌ دون ‌ان‌ يكون ذاتيا ‌فى‌ الوجود، ‌و‌ هذا ‌هو‌ السر ‌فى‌ ‌ان‌ بعض الفلاسفه ‌من‌ الشعراء لم يتعقلوا المساله وجدانيا عندما بداوا يخلطون بين المعنى النسبى الرابط بين الاشياء المحسوسه ‌و‌ المعنى الذاتى الذى ‌هو‌ الحقيقه الكامنه ‌فى‌ معنى ذاتها.
     الحمد لله، ‌فى‌ وجودك الذى ‌لا‌ يقترب ‌من‌ الحس ‌فى‌ معناه، لانه يرتبط بالمحدود ‌فى‌ تفاصيله، فكيف يمكن ‌ان‌ يدرك المطلق الذى ‌لا‌ حدود له ‌و‌ ‌لا‌ تفاصيل، فلا تدركه الابصار، ‌و‌ ليس كمثله شى ء.
     ‌و‌ تبقى الكلمات- ‌فى‌ السياق التعبيرى اللغوى- حركه ‌فى‌ تقريب الفكره، تماما كما هى وسائل الايضاح التى تقرب المعنى الى الذهن بالاسلوب المادى.
     ‌و‌ اذا كانت بعض كلمات القرآن الكريم توحى بالصوره الحسيه لله ‌فى‌ الحديث عن وجهه، كما ‌فى‌ قوله تعالى: (كل شى ء هالك الا وجهه)(القصص: 88).
     (اينما تولوا فثم وجه الله)(البقره: 155).
     ‌او‌ عن يد الله، كما ورد ‌فى‌ قوله تعالى: (يد الله فوق ايديهم)(الفتح: 10).
     ‌او‌ النظر الى الله: (وجوه يومئذ ناضره الى ربها ناظره)(القيامه: 22).
     الى غير ذلك ‌من‌ الايات، فان القرآن نفسه ‌هو‌ الدليل على ‌ان‌ هذه التعبيرات كانت وارده على سبيل الاستعاره ‌و‌ المجاز، فاذا كان الله (ليس كمثله شى ء)(الشورى: 11)، فان ذلك يكون قرينه على ‌ان‌ اتصافه بصفات خلقه كان مجازيا، ‌و‌ اذا كان الله (لا تدركه الابصار)(الانعام: 103)، فان ذلك دليل على ‌ان‌ النظر الى الله ليس نظرا الى ذاته، بل الى مظاهر عظمته الداله عليه.
     ليس هذا ‌من‌ التاويل ليقول قائل: لماذا نطرح الظاهر الى التاويل ‌من‌ دون ضروره؟ بل ‌هو‌ وجه ‌من‌ وجوه الاخذ بالظهور، باعتبار ‌ان‌ اراده المعنى المجازى على سبيل الاستعاره ‌من‌ اللفظ يمثل لونا ‌من‌ الوان الظهور بالقرينه على اساس تفسير القرآن بالقرآن، لان القرينه المتصله ‌او‌ المنفصله تمنع اراده الظهور الوضعى لتستبدله بالظهور بالقرينه.
     ‌و‌ اذا لم يكن للحس دور ‌فى‌ معرفته، فان العقل ‌هو‌ الذى يكتشف وجوده ‌من‌ خلال مظاهر عظمته، ‌و‌ لكنه ‌لا‌ يستطيع الوصول الى الوعى الكامل لصفاته، الا بما عرفنا منها، ‌و‌ هذا ‌هو‌ ‌ما‌ يقف الواصفون امامه عاجزين حيارى ‌لا‌ يملكون الكثير مما يقولون ‌او‌ مما يصفون.


    قدره الله ‌فى‌ الخلق ‌و‌ الرزق:
     
     لم يكن هناك احد غيره، ‌و‌ كان العدم ينفتح على قدرته ليكون الوجود، ‌و‌ لم يكن هناك نموذج للصوره ‌او‌ مثال للخلق، لذلك كان الوجود ‌فى‌ تفاصيله ابتداعا ‌فى‌ الخلق ‌من‌ موقع القدره ‌فى‌ ذاته، ‌و‌ اختراعا للصوره ‌فى‌ ملامحها التفصيليه الرائعه ‌من‌ خلال مشيئته، فالخلق كله منه، الماده ‌و‌ الصوره، فهو الذى ابدع الفكره، ‌و‌ اخترع الوجود...فكان الانسان، هذا الخلق الذى اراده الله ليكون الموجود الحى العاقل الذى يحول العقل الى العلم، ‌و‌ يحرك العلم ‌فى‌ اتجاه الاكتشاف لاسرار الكون ‌و‌ قوانينه ‌و‌ حركيته، ‌و‌ الابداع ‌فى‌ طريقه استلهامه ‌فى‌ حركه الحياه التى تصنع منه شيئا جديدا ‌لا‌ يبتعد عن سنن الله ‌فى‌ الوجود.
     ‌و‌ قال للانسان بعد ذلك، انه خليفته ‌فى‌ الارض، ‌و‌ عرف الملائكه ‌سر‌ هذا الاختيار ‌و‌ ‌سر‌ المعرفه الواسعه المتحركه ‌فى‌ هذا المخلوق الجديد المتحرك بارادته، الذى قد يتحول الى موجود مشاغب، ‌و‌ لكن شغبه ‌لا‌ يسقط التجربه كلها بل يغنيها ‌من‌ جانب معين.
     
    و حدد له ‌خط‌ السير ‌فى‌ الطريق الذى يودى الى تجسيد اراده الله ‌فى‌ الحياه، ‌من‌ خلال ‌ما‌ يريده للحياه ‌من‌ شرائع ‌و‌ نظم، ‌فى‌ الجانب الذى يصلح كل اوضاعها، ‌و‌ يفجر كل طاقاتها، ‌و‌ يحرك كل موجوداتها، ‌و‌ ‌فى‌ ‌ما‌ يريده للانسان ‌من‌ الاهداف التى تطل بها الدنيا على الاخره، منطلقا ‌فى‌ مسيره التكامل التى تاخذ ‌من‌ الدنيا ماديتها ‌و‌ ‌من‌ الاخره روحيتها، فهى- ‌من‌ جهه- تبنى للانسان حياته ‌من‌ خلال حاجاتها ‌و‌ تطلعاتها، ‌و‌ ‌من‌ جهه اخرى تفتح له ابواب الخلود ‌فى‌ النتائج الكبرى التى ترتبط بالطاعه لله ‌فى‌ اوامره ‌و‌ نواهيه، فلا ينفصل الانسان ‌فى‌ تطلعاته الاخرويه عن دنياه، ‌و‌ ‌لا‌ يبتعد ‌فى‌ حاجاته الطبيعيه ‌فى‌ دنياه عن آخرته.
     ‌و‌ هكذا حرك كل خطواته الى الانطلاق ‌فى‌ سبيل الحصول على محبته، لانه يريد للانسان ‌ان‌ يعيش الحب لربه، ‌لا‌ لحاجه منه الى ذلك، ‌و‌ لكن لحكمه ‌فى‌ وجوده، لينمو ‌و‌ يتوازن ‌و‌ يسمو الى الدرجات العليا، عندما يعيش ‌فى‌ العمق الاعمق ‌من‌ شخصيته هذا الاحساس الحميم بالله، ‌و‌ هذا التطلع الواله نحوه، ‌و‌ هذا الشوق المحرق اليه، فيجعل كل حركه ‌من‌ حركاته انفتاحا على مواقع رضاه، ‌و‌ طريقا للوصول الى ‌سر‌ الحب ‌فى‌ ‌سر‌ انسانيته الباحثه ابدا عن الحب الطاهر النقى الصافى، ‌فى‌ حبه لله، ‌و‌ ‌فى‌ ‌سر‌ الالوهيه تجاه الخلق، ‌فى‌ حب الله له، ‌و‌ تلك هى سعادته ‌فى‌ ينابيع الصفاء، ‌و‌ انهار الطهر، ‌و‌ اجواء النقاء.
     ‌و‌ اذا كان للانسان ‌ان‌ يحيا ‌فى‌ حركيه ارادته حرا مختارا، فليس معنى ذلك انه يملك الحريه المطلقه ‌فى‌ تاخير ‌ما‌ يريد تقديمه، ‌او‌ تقديم ‌ما‌ يريد تاخيره، لانه مرتبط- ‌فى‌ وجوده- بالنظام الكونى الذى يدير الله حركته، ‌و‌ يحرك ظواهره، ‌و‌ يخطط لسننه ‌و‌ قوانينه، فلا يملك احد ‌ان‌ يغير ‌فى‌ معنى التكوين شيئا، ‌و‌ لكنه يملك حريه الحركه، ‌و‌ تنوع الاراده ‌فى‌ داخل الكون، فوجوده مرتبط بالكون ‌من‌ حوله، فلا يملك تقديم شى ء اراد الله تاخيره ‌او‌ تاخير شى ء اراد الله تقديمه، ‌و‌ لكنه بانسانيته حر ‌فى‌ تحريك طاقاته ‌فى‌ المساحه الواسعه التى اراد الله ‌ان‌ يمارس فيها دوره، ‌و‌ يقوم فيها بمسووليته، ‌و‌ بذلك التقت حركه المسووليه ‌فى‌ حياته بحركه الحريه ‌فى‌ ذاته، ‌و‌ هكذا اجتمعت له الجبريه ‌فى‌ نظام وجوده، ‌و‌ الحريه ‌فى‌ خصوصيه انسانيته، ‌و‌ هو- ‌فى‌ الحالتين- يعيش عبوديته لله، ‌و‌ خضوعه له، ‌فى‌ انفعال وجوده باراده الله القاهره ‌و‌ حركه اختياره ‌فى‌ مواقع رضى الله، ‌و‌ بهذا كان الافضل ‌فى‌ الوجود، لانه يمارس فيه دور المنفعل ‌فى‌ ذاته ‌و‌ الفاعل ‌فى‌ حركته.
     ‌و‌ الانسان- بعد ذلك- جسد حى يختزن الروح ‌فى‌ داخله، هذا الشى ء الخفى ‌فى‌ سره، البارز ‌فى‌ اثره، ‌و‌ للروح المتجسده حاجاتها ‌فى‌ فاعليه الوجود ‌و‌ استمراريه البقاء، ‌و‌ ‌لا‌ يملك الانسان ‌فى‌ قدرته الخاصه ‌ان‌ يوفر لنفسه تلك الحاجات، لانها ليست ‌من‌ ذاتيات وجوده، بل هى حركه وجود آخر ‌فى‌ النبات ‌و‌ الحيوان ‌و‌ الهواء ‌و‌ الماء ‌و‌ الارض ‌و‌ ‌ما‌ يتحرك فيها ‌من‌ تفاصيل الحاجات للمخلوقات كلها.
    و قد جعل الله لكل روح ‌من‌ هذه الارواح المتجسده ‌فى‌ الماده نصيبا معينا ‌من‌ رزقه ‌فى‌ نظام متوازن شامل، يضع لكل منها حاجاتها، ‌و‌ يقسم لكل واحده منها رزقه، ‌من‌ خلال الاسباب التى اودعها ‌فى‌ الكون مما يتصل باراده الانسان ‌او‌ وجوده، فلا يملك- ‌هو‌ ‌و‌ ‌لا‌ غيره- ‌ان‌ يزيد شيئا على ‌ما‌ قسمه الله، ‌او‌ ينقص شيئا ‌من‌ ذلك، لان هذه القضيه- ‌فى‌ نطاقها الوجودى العام- ‌من‌ شوون التكوين ‌لا‌ ‌من‌ شوون الاراده الانسانيه، فليس للاراده ‌ان‌ تتحرك الا ‌فى‌ دائرتها، فلا مجال لها ‌فى‌ الخروج منها بايه وسيله كانت.

    عدل الله تعالى ‌فى‌ ثوابه ‌و‌ عقابه:
     
     لقد خلق الله الانسان- ‌فى‌ هذه الحياه- ‌فى‌ اجل موقوت، ‌و‌ عمر محدود: (كل نفس ذائقه الموت)(آل عمران: 185)
     (انك ميت ‌و‌ انهم ميتون)(الزمر: 30)
     (و لن يوخر الله نفسا اذا جاء اجلها)(المنافقون: 11)
     فالحياه رحله تبدا ‌من‌ الولاده لتتحرك ‌فى‌ خطوات العمر ‌فى‌ حركه مفتوحه على كل الايام، ‌و‌ لتثقلها الاعوام التى تتراكم عليها ‌فى‌ امتداد الدهر، ‌و‌ تمضى بالانسان خطواته التى ياكل فيها ‌فى‌ كل يوم قطعه ‌من‌ عمره، حتى يستنفد المائده التى وضعها الله بين يديه كلها ‌فى‌ تعب مجهد ‌و‌ ارهاق موجع، لتنتهى بالموت الذى تنتهى ‌به‌ مده العمل، الذى كان يمثل حركه المسووليه ‌فى‌ وجوده ‌و‌ دوره الذى اعده الله له، ليواجه- بعد الموت- نتائج المسووليه ‌فى‌ الثواب الذى جعله الله للمحسنين ‌من‌ عباده لما عملوه ‌من‌ خير، ‌و‌ ‌فى‌ العقاب الذى توعد ‌به‌ المسيئين منهم لما عملوه ‌من‌ شر، ‌و‌ ذلك ‌فى‌ الموقف الحق، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ليجزى الذين اساووا بما عملوا ‌و‌ يجزى الذى احسنوا بالحسنى، ‌و‌ ذلك ‌هو‌ الذى يجعل للحياه هدفا، ‌و‌ يخرج خلق الانسان عن العبثيه، فهناك ساحه للعمل ‌فى‌ الدنيا، ‌و‌ هناك ساحه للنتائج الحسنه ‌او‌ السيئه ‌فى‌ الاخره، ‌و‌ ذلك ‌هو‌ ‌خط‌ العدل الالهى الذى يعطى كل انسان ‌من‌ عباده حقه بما جعله له ‌من‌ الحق ‌فى‌ الطاعه، ‌و‌ يحمل كل واحد منهم مسووليته بما له عليه ‌من‌ الحق، ‌من‌ خلال طبيعه معنى العبوديه، ‌و‌ مما اراده الله منه ‌من‌ البعد عن المعصيه.
     انه الرب الذى ارتفعت اسماوه الى اعلى الدرجات ‌من‌ العظمه، فلا ينالها سوء، ‌و‌ ‌لا‌ يقترب منها نقص، فهى الطاهره المنزهه عن كل دنس...
     ‌و‌ ‌هو‌ الذى تتابعت نعمه ‌و‌ تكاثرت ‌و‌ ظهرت ‌فى‌ معناها المنفتح بالخير على كل الموجودات، ‌و‌ ‌هو‌ الرب الذى ‌لا‌ يبلغ العباد- مهما فكروا ‌و‌ بحثوا- ‌سر‌ افعاله، ‌و‌ حكمه قضائه ‌و‌ قدره، لانهم ‌لا‌ يملكون الوسيله للمعرفه ‌فى‌ شوون ذاته ‌فى‌ اسرارها الخفيه، ‌و‌ آفاقها المطلقه غير المحدوده، ‌و‌ ‌لا‌ يحق لهم ‌ان‌ يسالوه عن فعله لم فعله، لان السئوال يختزن ‌فى‌ داخله ‌حق‌ السائل ‌فى‌ معرفه خلفيات عمل المسوول، ‌او‌ ‌فى‌ محاوله للوصول الى سره، ‌او‌ ‌فى‌ قابليه الفعل للحكم عليه بالخطا ‌او‌ الصواب تبعا لما ينكشف ‌من‌ طبيعته، مما قد يستتبع المدح ‌او‌ الذم، ‌و‌ ‌هو‌ امر ‌لا‌ مجال له ‌فى‌ موقع الخالق ‌و‌ مقامه لدى المخلوق. فهو الله الذى يملك المخلوق كله، فلا ‌حق‌ له ‌فى‌ معرفه تفاصيل ‌ما‌ يفعله ‌به‌ ‌او‌ ببقيه مخلوقاته، بحيث يعد الامتناع عن الاجابه قبيحا، لانه ‌لا‌ يملك ‌حق‌ الاعتراض على ‌اى‌ شى ء ‌من‌ ذلك، بعد ‌ان‌ كان الايمان بالله الواحد الحكيم القدير القاهر فوق عباده العادل، يوحى بالحكمه ‌فى‌ كل افعاله، ‌و‌ بالعدل ‌فى‌ كل قضائه ‌و‌ قدره، لان العبث مستحيل عليه بفعل كمال ذاته، ‌و‌ لان الظلم مستحيل عليه بفعل الغنى عنه ‌و‌ القوه ‌فى‌ ذاته، فما معنى السئوال، الا اذا كان اعتراضا ‌و‌ تمردا، ‌و‌ هذا ‌ما‌ ‌لا‌ يتفق مع الايمان الثابت ‌فى‌ الوجدان، ‌و‌ ‌لا‌ ينسجم مع المعرفه الواعيه لله ‌فى‌ عظمه مقامه ‌فى‌ جلاله ‌و‌ كماله... ‌و‌ ‌هو‌ الرب الذى خلق عباده ‌و‌ حملهم مسووليه اقوالهم ‌و‌ افعالهم ‌فى‌ ‌خط‌ حركه العبوديه ‌فى‌ وجودهم الخاضع بطبيعته لله، المنفتح ‌فى‌ حركته ‌فى‌ داخلهم على خضوعهم الاختيارى له ‌فى‌ طاعتهم له، ‌و‌ بعدهم عن معصيته. ‌و‌ لذلك فان ‌من‌ حقه عليهم ‌ان‌ يسالهم كما قال سبحانه ‌فى‌ كتابه العزيز: (وقفوهم انهم مسوولون)(الصافات: 24).
     ‌و‌ قد جاء ‌فى‌ الحديث عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) ‌فى‌ تفسير قوله تعالى: (لا يسال عما يفعل ‌و‌ ‌هم‌ يسالون)،(الانبياء: 23).
     قال: «لا يسال عما يفعل لانه ‌لا‌ يفعل الا ‌ما‌ كان حكمه ‌و‌ صوابا، ‌و‌ ‌هو‌ المتكبر الجبار ‌و‌ الواحد القهار، فمن وجد ‌فى‌ نفسه حرجا ‌فى‌ شى ء مما قضى كفر، ‌و‌ ‌من‌ انكر شيئا ‌من‌ افعاله جحد، ‌و‌ ‌هم‌ يسالون، قال: يعنى بذلك خلقه انه يسالهم».

    قيمه الحمد ‌و‌ الشكر لله تعالى:
     
     للوعى الانسانى ‌و‌ للحمد ‌فى‌ وجدان الانسان، معنى انفتاح الانسانيه ‌فى‌ عقلها ‌و‌ روحها ‌و‌ حركتها على الله الخالق الرحيم القدير ‌فى‌ نعمه التى انعم بها على عباده، ‌و‌ ‌فى‌ مننه التى ‌من‌ بها عليهم ‌فى‌ وجودهم بعد العدم، ‌و‌ ‌فى‌ رعايته للانسان ‌فى‌ كل خصوصياته الصغيره ‌و‌ الكبيره، بما يغنى تجربته، ‌و‌ يرفع قدره، ‌و‌ يسهل له سبيل الحياه، ‌و‌ يسير ‌به‌ الى ‌ما‌ فيه هداه، بحيث تنطلق حركته ‌فى‌ الاتجاه الذى يتطلع فيه دائما الى مصدر النعمه ‌و‌ صاحب المنه، ‌فى‌ احساس بالمحبه، ‌و‌ شعور بالامتنان، ‌و‌ تعظيم للمقام، ‌و‌ انفعال متنوع بكل مواقع الحمد ‌فى‌ فيوضاته ‌و‌ عطاءاته ‌فى‌ ‌خط‌ النعمه ‌و‌ الرحمه، فيكون الحمد خفقه قلب، ‌و‌ نبضه احساس، ‌و‌ التفاته وجدان، ‌و‌ تعبير شكر يرفع الانسان ‌فى‌ مستوى انسانيته التى تتاثر ايجابا بكل وجودها بالخير الذى يقدم اليها، ‌و‌ بالرحمه التى تفيض عليها، ‌و‌ بكل يد للعطاء تمتد اليها برفق ‌و‌ محبه ‌و‌ حنان.
     ‌ان‌ الانسانيه حاله وعى ‌فى‌ الوجود، ‌و‌ الوعى حركه ‌فى‌ ساحه الاعتراف بالواقع، الذى يفرض تحريكه نحو الافق الذى يعيش الغنى ‌فى‌ الروح، ‌و‌ الانفتاح ‌فى‌ الوجدان.
     ‌و‌ ‌هو‌ هبه ‌من‌ الله، فلو ‌لا‌ ارادته ‌فى‌ اعطاء الانسان عقلا ‌و‌ روحا ‌و‌ احساسا بالوجود ‌من‌ حوله ‌و‌ بالاهميه ‌فى‌ سرها، لما استطاع ‌ان‌ يتفاعل مع الكون ‌و‌ الحياه، ‌او‌ ينفتح على الله ‌فى‌ نعمه ‌و‌ مننه، ‌و‌ لعاش ‌فى‌ عزله خانقه ‌فى‌ داخل الذات، مفصوله عن العالم ‌فى‌ كل قضاياه المتصله ‌به‌ ‌و‌ بالاخرين. ‌و‌ ‌من‌ خلال ذلك، عرف الله ‌فى‌ آلائه ‌و‌ نعمه ‌و‌ مننه ‌و‌ حمده، فكان الحمد تعبيرا عن معرفه الله ‌و‌ شكره، ‌و‌ كان الشكر اعترافا بالجميل، ‌و‌ امتنانا لنعمه عليه، ‌و‌ لو ‌لا‌ ذلك لما كان لديه وعى الحمد، ‌و‌ شعور الشكر، فيتقلب ‌فى‌ نعم الله ‌من‌ دون حمد ‌و‌ ‌لا‌ شكر، مما يجعله بعيدا عن عمق الاحساس بالانسانيه التى تفرض على الانسان ‌ان‌ يحمد ربه بما يستحقه ‌من‌ الحمد، ‌و‌ ‌ان‌ يشكره على ‌ما‌ اولاه ‌من‌ النعم التى تستحق الشكر، ‌و‌ قريبا ‌من‌ البهيميه التى ‌لا‌ تتفاعل مع الاجواء المحيطه بها ‌فى‌ الوعى المنفتح على المعانى الكبيره، بل ربما كان اضل منها لانها تتحرك بغريزتها ‌فى‌ ادراكاتها الجزئيه فلا تملك عقلا تتفاعل ‌به‌ مع الاخرين، بينما يملك الانسان العقل الذى يعرفه طبيعه علاقاته بالخالق ‌و‌ المخلوق، فاذا لم ينطلق مع ‌خط‌ المعرفه كان اضل ‌من‌ البهائم ‌فى‌ طبيعه الفعل ورد الفعل.

    آثار الحمد لله على واقع الانسان:
     
     للمعرفه بالله دورها الكبير ‌فى‌ وعى الانسان للايمان بربه ‌فى‌ خوف مقامه ‌و‌ التزامه بطاعته، ‌و‌ انفتاحه على محبته، ‌و‌ فهمه للسر ‌فى‌ عبوديته له، ‌و‌ تصوره لجلاله ‌و‌ كماله ‌فى‌ كل صفاته العليا ‌و‌ اسمائه الحسنى، ‌و‌ ‌فى‌ كل محامده ‌و‌ افعاله.
     ‌و‌ قد عرفنا ذلك كله ‌من‌ خلال الوسائل التى اولاها لنا ‌و‌ وضعها ‌فى‌ متناولنا، ‌فى‌ حواسنا ‌و‌ عقولنا، ‌و‌ رسالته التى ارسل بها انبياءه، بحيث انفتحت لنا ‌من‌ ذلك كله ابواب المعرفه ‌فى‌ اوسع مداها ‌و‌ ارحب مواقعها، فعرفنا ‌من‌ خلال ذلك كيف نتصوره ‌و‌ نتطلع اليه ‌و‌ نعبده ‌و‌ نطيعه ‌و‌ نخشع امامه ‌و‌ نلتزم احكامه، مما يجلب لنا السعاده ‌فى‌ الدنيا ‌و‌ الاخره، فله الحمد على ذلك كله. ‌و‌ للشكر معنى ‌فى‌ العقل ‌و‌ القلب ‌و‌ حركه الانسان ‌فى‌ الحياه، ينطلق ‌من‌ وعى النعم ‌فى‌ الوجود ‌و‌ فاعليتها ‌فى‌ استمراره، الامر الذى الهمنا الله ‌و‌ حيه ‌و‌ عرفنا سره، فشكرناه، على نعمه، شكر الواعين المنفتحين عليه، فله الحمد على ذلك ‌و‌ على ‌ما‌ عرفنا ‌من‌ ربوبيته التى توحى الينا بالالوهيه التى ترعى المربوبين بالتربيه، التى تتدرج بهم ‌فى‌ البلوغ الى درجات الكمال شيئا فشيئا، حتى تنتهى بهم الى الدرجه العليا التى يحصلون بها على السعاده ‌فى‌ حياتهم، ‌و‌ يتوجهون فيها الى السعاده ‌فى‌ آخرتهم، فاصبحنا نعرف ‌ان‌ لنا ربا يرعانا برعايته، ‌و‌ يدبر امورنا بتدبيره، ‌و‌ يشرف على وجودنا كله بنعمته ‌و‌ لطفه ‌و‌ رحمته، ‌و‌ يقودنا الى واقع عدله ‌و‌ عفوه ‌فى‌ يوم اللقاء الاكبر به، ‌و‌ على ‌ما‌ هدانا اليه ‌و‌ دلنا عليه ‌من‌ الاخلاص ‌فى‌ توحيده الذى عاشت اعماقنا ‌فى‌ ينابيع قدسه، ‌و‌ ‌فى‌ جوهر حقيقته، فعرفنا- ‌فى‌ العمق ‌من‌ وعينا الفكرى- انه ‌هو‌ الاله الواحد الذى ‌لا‌ شريك له ‌فى‌ امره ‌و‌ ‌لا‌ مضاد له ‌فى‌ ملكه، فهو الخالق ‌و‌ الرازق ‌و‌ المنعم ‌و‌ المدبر ‌و‌ المهيمن على الامر كله، فوحدناه بعقولنا ‌و‌ قلوبنا ‌و‌ مشاعرنا ‌و‌ حياتنا كلها توحيد الاخلاص، لاننا لم نجد هناك غيره، فكيف نبتعد عن الاخلاص لها، لنرتبط بالعدم ‌فى‌ ظلماته التى ‌لا‌ الفق لها ‌و‌ ‌لا‌ قرار، ‌و‌ كيف نلحد ‌فى‌ امره ‌و‌ نبتعد عن الايمان به، ‌او‌ نشك ‌فى‌ ربوبيته، ‌و‌ ‌هو‌ النور الذى ‌لا‌ ظلمه معه، ‌و‌ الحق الذى ‌لا‌ باطل عنده، ‌و‌ ‌هو‌ الوضوح كله، ‌و‌ الصفاء كله.
    اننا نحمده على ذلك كله ‌و‌ نتقرب اليه بهذا الحمد، لانه يمثل كل الايمان ‌به‌ ‌و‌ المحبه له ‌و‌ التطلع الى رحمته ‌و‌ القرب منه، لنحصل ‌من‌ هذا الحمد على الامتداد ‌فى‌ العمر مع الحامدين له ‌من‌ خلقه، ‌و‌ السبق الى الوصول الى رضاه ‌و‌ عفوه، ‌و‌ على الاضاءه الروحيه ‌من‌ نوره الذى يفيض على الوجود، فيضى ء لنا ظلمات البرزخ التى قد تتراكم ‌فى‌ داخلها اشباح الموت ‌فى‌ المرحله التى تفصل بين نهايه الحياه ‌و‌ بدايه يوم القيامه التى قد يوحى بها قوله تعالى: (و ‌من‌ ورائهم برزخ الى يوم يبعثون)،(المومنون: 100)، ‌و‌ تتحدث عنها الاحاديث المرويه عن ائمه اهل البيت (عليهم السلام).
     
    و ييسر لنا الطريق الى البعث ‌فى‌ رحلتنا النهائيه ‌من‌ الاحداث الى يوم المحشر، فتكون الطريق اليه مفتوحه على رحمه الله ‌و‌ رضوانه، فلا نحس فيها جهدا ‌و‌ ‌لا‌ رهقا، ‌و‌ يبلغ بنا درجه الشرف ‌و‌ العلو ‌و‌ الرفعه ‌فى‌ مواقعنا عند مواقف الاشهاد الذين يشهدون للناس ‌و‌ عليهم بما قاموا ‌به‌ ‌من‌ اعمال الخير ‌و‌ الشر. لننال بذلك النصر ‌من‌ الله سبحانه على ‌ما‌ جاءت ‌به‌ الايه الكريمه (انا لننصر رسلنا ‌و‌ الذين امنوا ‌فى‌ الحياه الدنيا ‌و‌ يوم يقوم الاشهاد)،(غافر: 51). حيث نقف بين يدى الله عراه الا ‌من‌ العمل الصالح، ‌و‌ الامل الكبير برحمه الله ‌و‌ رضوانه، فلا يملك احد ‌ان‌ ينقذنا ‌من‌ عذاب الله اذا اراد ‌ان‌ يعذبنا (يوم ‌لا‌ يغنى مولى عن مولى شيئا ‌و‌ ‌لا‌ ‌هم‌ ينصرون)(الدخان: 41).
    و هكذا ينطلق هذا الحمد الايمانى المرتفع الى الله ‌من‌ كل قلوبنا، ليرتفع بنا الى الدرجات العليا ‌فى‌ اعلى عليين ‌فى‌ كتاب مرقوم يشهده المقربون، لنعيش هنا روحانيه القرب، قرب الروح، ‌و‌ سعاده المحبه لله الذى يمنحنا حبه ‌من‌ حيث يمنحنا قربه ‌فى‌ ذلك العالم العلوى، الذى يتجلى الله فيه لعباده المومنين الحامدين الشاكرين، فيفيض عليهم ‌من‌ رحمته ‌و‌ لطفه ‌و‌ رضوانه، ‌و‌ يغمرهم بالسعاده الروحيه، حيث ‌لا‌ عين رات ‌و‌ ‌لا‌ اذن سمعت ‌و‌ ‌لا‌ خطر على قلب بشر، فلا تعلم نفس ‌ما‌ اخفى لهم ‌من‌ قره اعين.
     
    فتقر بذلك عيوننا ‌و‌ تشرق بالسرور، ‌و‌ ترتاح ‌فى‌ نظرتها الى الافق الرحب امامها بهدوء ‌و‌ اطمئنان، ‌فى‌ اليوم الذى تبرق فيه الابصار ‌و‌ تتحير فزعا حتى ‌لا‌ تطرف، ‌او‌ دهشه فلا تبصر.
     ‌و‌ تبيض ‌به‌ وجوهنا، ‌من‌ خلال البهجه الروحيه التى تنعكس نورا على الوجوه ‌من‌ خلال النتائج الطيبه الفرحه، بما يحصل عليه المومنون ‌من‌ ثواب الله ‌فى‌ جنته ‌و‌ رضوانه، ‌فى‌ الوقت الذى تسود فيه وجوه ‌و‌ جلود الاخرين الذين كفروا بالله، ‌و‌ تمردوا عليه، ‌و‌ انحرفوا عن خطه المستقيم، ‌من‌ خلال النتائج السيئه المرعبه مما يتعرض له الكافرون الضالون ‌من‌ عقاب الله ‌فى‌ سخطه ‌و‌ ناره.
     
    و يرتفع الحمد ‌فى‌ نتائجه، فيعتقنا الله بسببه ‌من‌ اليم ناره الى كريم جواره، لدلاله الحمد على عمق الايمان بالله ‌و‌ الاستغراق ‌فى‌ محامده ‌و‌ الالتزام بطاعته. ‌و‌ ننطلق ‌فى‌ هذا الجو ‌فى‌ مجتمع الحامدين لله، الحائزين على رضوانه، المقربين اليه،
     
    فنزاحم الملائكه المقربين الذين يحلقون ‌فى‌ الجنه ‌فى‌ تسبيحهم ‌و‌ حمدهم له، ‌و‌ ننضم الى الانبياء المرسلين الذين انفتحوا برسالاتهم على كل مواقع الحمد له، ‌و‌ فتحوا العقول ‌و‌ القلوب عليه ‌فى‌ حمده ‌و‌ تسبيحه ‌و‌ تهليله ‌و‌ تكبيره، فكانت دار الخلود ساحتهم التى ‌لا‌ تزول، ‌و‌ محل كرامتهم التى ‌لا‌ تتغير ‌و‌ ‌لا‌ تحول.
     
    الحمد لله على حسن الخلق ‌و‌ طيبات الرزق:
     
     ‌و‌ الحمد لله، ‌فى‌ انفتاحنا على وجودنا الانسانى، فقد خلقنا الله فاحسن صورنا كما قال سبحانه: (و صوركم فاحسن صوركم)،(غافر: 64)،(لقد خلقنا الانسان ‌فى‌ احسن تقويم)(التين: 4). ‌و‌ اودع فينا الخصائص ‌و‌ العناصر ‌و‌ الاجهزه التى تجعل ‌من‌ هذا الوجود التمثل ‌فى‌ انسانيتنا وجودا متميزا بظاهره ‌و‌ باطنه، ‌فى‌ حيويه روحه ‌و‌ حركيه جسده، ‌و‌ امتداد ابعاده ‌و‌ تنوع آفاقه، ثم كفل لنا حاجاتنا المتنوعه ‌فى‌ استمرار هذا الوجود ‌فى‌ طيبات الرزق الذى اغدقه علينا مما ينزل ‌من‌ السماء ‌من‌ الماء الذى جعل منه كل شى ء حى، ‌و‌ احيا ‌به‌ الارض بعد موتها، ‌و‌ مما ينبت ‌فى‌ الارض ‌من‌ انواع النبات، ‌و‌ مما يتحرك فيها ‌من‌ الانعام.
     ‌و‌ له الحمد على هذه الميزه الوجوديه التى كرم الله بها بنى آدم، ‌و‌ فضلهم على خلقه بالملكه المبدعه التى زودهم بها، ‌و‌ العقل الذى اودعه فيهم، ‌و‌ سخر لهم كل ‌ما‌ حولهم ‌و‌ ‌من‌ حولهم مما يتحرك ‌فى‌ ساحه وجودهم، بحيث جعلهم منقادين لهم ‌من‌ خلال قدرته على اخضاع خلقه لمن يشاء ‌و‌ لما يشاء، ‌و‌ متحركين ‌فى‌ ‌خط‌ طاعتهم، بالعزه المهيمنه على الوجود كله، فلا ينتقص احد منها بشى ء، فاذا وجه ‌اى‌ شى ء لما يريده مما يتصل بذاته ‌او‌ بغيره، كان ‌من‌ دون تاخير.
     ‌و‌ هذا ‌هو‌ ‌ما‌ تحدث ‌به‌ ‌فى‌ كتابه ‌فى‌ قوله تعالى:
     (و سخر لكم ‌ما‌ ‌فى‌ السماوات ‌و‌ ‌ما‌ ‌فى‌ الارض جميعا)(الجاثيه: 13).
     (جعل لكم مما خلق ظلالا ‌و‌ جعل لكم ‌من‌ الجبال اكنانا ‌و‌ جعل لكم سرابيل تقيكم الحر ‌و‌ سرابيل تقيكم باسكم)(النحل: 81).
     (و ‌هو‌ الذى سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا ‌و‌ تستخرجوا منه حليه تلبسونها ‌و‌ ترى الفلك مواخر فيه ‌و‌ لتبتغوا ‌من‌ فضله ‌و‌ لعلكم تشكرون)(النحل: 14).
     (هو الذى انزل ‌من‌ السماء ماء لكم منه شراب ‌و‌ منه شجر فيه تسيمون ينبت لكم ‌به‌ الزرع ‌و‌ الزيتون ‌و‌ النخيل ‌و‌ الاعناب)(النحل: 11 -1).
     (الذى جعل لكم ‌من‌ الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون)(يس: 80).
     (انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاما فهم لها مالكون ‌و‌ ذللناها لهم فمنها ركوبهم ‌و‌ منها ياكلون)(يس: 72 -71).
     (و الانعام خلقها لكم فيها دف ء ‌و‌ منافع ‌و‌ منها تاكلون ‌و‌ لكم فيها جمال حين تريحون ‌و‌ حين تسرحون ‌و‌ تحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس ‌ان‌ ربكم لرءوف رحيم ‌و‌ الخيل ‌و‌ البغال ‌و‌ الحمير لتركبوها ‌و‌ زينه ‌و‌ يخلق ‌ما‌ ‌لا‌ تعلمون)(النحل: 8 -5).
     ‌و‌ هكذا نجد ‌ان‌ الله اودع ‌فى‌ الانسان الخصائص المتحركه، ذات الابعاد المتنوعه المنفتحه على الكون بالقدره الالهيه، ‌من‌ خلال الفرص الكثيره التى اتاحها له، ‌و‌ اودع ‌فى‌ الاشياء المتصله بوجوده، المنتشره ‌فى‌ ساحه قدرته، الطاعه الذاتيه التى تجعلها خاضعه له ‌فى‌ ‌ما‌ يراد ‌ان‌ يحركها ‌او‌ يتعامل معها ‌او‌ يوجهها الى ‌ما‌ يشاء ‌فى‌ حدود قوانينها الوجوديه التى اخضعها الله لها.
     ‌و‌ هذا ‌ما‌ يجعل الحمد لله ‌فى‌ وجودنا الانسانى منطلقا ‌فى‌ خطين، ‌خط‌ العظمه ‌فى‌ النظام الكونى المرتبط بالانسان، ‌و‌ ‌خط‌ النعمه ‌فى‌ النتائج الطيبه التى نحصل عليها ‌فى‌ حياتنا ‌من‌ خلالها، ليكون الحمد مدحا ‌من‌ جهه، ‌و‌ شكرا ‌من‌ جهه اخرى، مما يجتمع لنا ‌فى‌ ‌و‌ عينا الايمانى لالاء الله ‌و‌ نعمه ‌فى‌ مواقع حمده، ‌و‌ بذلك يكون للحمد جانب موضوعى يتصل بحقيقه الموجود ‌فى‌ ذاته، ‌و‌ جانب ذاتى يتصل بالانسان ‌فى‌ حياته.

    الحمد لله على كرمه ‌و‌ عفوه ‌و‌ رحمته:
     
     ... ‌و‌ يتحرك الحمد لله ‌فى‌ وجداننا ‌فى‌ نظرتنا الشامله الى حركه وجودنا ‌و‌ متطلبات حياتنا، ‌و‌ حيويه انسانيتنا، لنكتشف ‌ان‌ الله قد شمل كل وجودنا ‌و‌ حياتنا ‌فى‌ انسانيتنا بكل حاجاتنا ‌و‌ متطلباتنا ‌و‌ حركيتنا، فكل نعمه نتقلب فيها هبه منه، ‌و‌ كل غنى ‌فى‌ امورنا ‌و‌ اوضاعنا ‌هو‌ ‌من‌ غناه، ‌و‌ كل قدره ‌فى‌ حركتنا مما يسهل لنا شوون الحياه هى مستمده ‌من‌ قدرته، بشكل مباشر ‌او‌ غير مباشر، ‌فى‌ شموليه النعمه بكل ابعادها ‌فى‌ امتداد عمرنا، فلم يحوجنا الى غيره، ‌و‌ لم يلجئنا الى سواه، لان الناس كلهم ‌لا‌ يملكون ‌فى‌ ذاتهم ‌او‌ ‌فى‌ عطائهم الا بما ملكهم ‌من‌ نعمه ‌فى‌ كل شى ء، فكيف نستطيع مواجهه ذلك كله بما ‌لا‌ نحصيه ‌من‌ نعمه ‌و‌ آلائه، ‌و‌ كيف نودى شكرها باقوالنا ‌و‌ اعمالنا، ‌و‌ الحمد نعمه تتجدد ‌فى‌ وجودنا، ‌و‌ الشكر منه تتحرك ‌فى‌ حياتنا، مما يستوجب فينا حمدا جديدا ‌و‌ شكرا جديدا.
    و الحمد لله، على الحركه الاراديه التى نملك بها ‌ان‌ نقبض- بها- ‌ما‌ نريد قبضه ‌من‌ اعضائنا، ‌و‌ نبسط- بها- ‌ما‌ نريد ‌ان‌ نبسطه منها، ‌من‌ خلال الاليه التى ركبها فيها، فقد جعل لنا ‌ما‌ ندير ‌به‌ حياتنا ‌فى‌ حاجاتنا التى تفرض علينا ‌ان‌ نبسط يدا ‌او‌ نقبضها، ‌او‌ نحرك رجلا ‌او‌ نوقفها، ‌او‌ نمسك لسانا ‌او‌ نطلقه، ‌او‌ نغمض عينا ‌او‌ نفتحها... ‌و‌ هكذا ‌فى‌ كل ‌ما‌ ركبه الله ‌فى‌ اجسادنا ‌من‌ آلات البسط ‌و‌ ادوات القبض التى هى وسائل الوجود ‌فى‌ حركته.
     ‌و‌ الحمد لله، على هذه الروح التى متعنا بها، فتنوعت ‌فى‌ ابعادها ‌و‌ آثارها، ‌فى‌ روح القدس ‌و‌ الايمان، ‌و‌ روح القوه ‌و‌ الشهوه، التى انطلقت لتدفع بالانسان الى ‌ان‌ يتوازن ‌فى‌ حياته ليفتح لنفسه افق المعرفه، ‌و‌ حركه العباده، ‌و‌ جهاد العدو، ‌و‌ الحصول على المنافع ‌فى‌ جهاد العمل، ‌و‌ على اللذه ‌فى‌ الطعام ‌و‌ النكاح ‌و‌ نحوهما، هذه الارواح المتنوعه التى تنطلق ‌من‌ روح الحياه فينا، التى نستروح فيها نسيم الراحه، ‌و‌ هدوء الطمانينه، ‌و‌ استرخاء الوجود، ‌و‌ حيويه السعاده.
     ‌و‌ الحمد لله، على هذه الاعضاء- الجوارح- التى هى وسائلنا الطبيعيه للعمل الدنيوى ‌و‌ الاخروى مما يتصل بالوعى ‌و‌ حركه الحياه، فمنها الحركه ‌و‌ بها الحياه، ‌و‌ ‌فى‌ الاجهزه التى تضبط لنا اوضاعها كل انطلاقات الابداع.
     ‌و‌ الحمد لله، على هذا الغذاء المتنوع بعناصره ‌و‌ خصائصه، الذى يمنح كل عضو فينا، ‌و‌ كل عصب ‌فى‌ اجسادنا، حاجته التى تصل اليه ‌فى‌ نظام دقيق شامل حكيم، ينفتح بنا على كل طيبات الرزق.
     ‌و‌ الحمد لله، على ‌ما‌ زودنا ‌به‌ ‌من‌ الغنى، ‌فى‌ الكفايه ‌و‌ السعه، فجعل حياتنا هينه رخيه ‌فى‌ حاله طبيعيه، ‌و‌ على ‌ما‌ اعطانا ‌من‌ مقتنيات الحياه مما نحتاجه ‌فى‌ امورنا ‌و‌ اوضاعنا مما يرضينا ‌فى‌ مواقع الرضا ‌من‌ حياتنا العامه ‌و‌ الخاصه، ‌و‌ يحقق لنا النتائج الحيه ‌فى‌ ذلك كله.
     ‌و‌ هكذا فتح لنا كل ابواب الحياه، ‌و‌ اعطانا كل موارد الامور ‌و‌ مصادرها،
    و منحنا حريه الحركه، ‌و‌ قال لنا: ايها الناس، انى لم اخلقكم عبثا، ‌و‌ لم اجعل الحياه ‌من‌ حولكم ‌و‌ ‌فى‌ ساحتكم ‌فى‌ دائره الفوضى، بل جعلت لها نظاما ‌فى‌ ابداع القوانين الكونيه الثابته ‌فى‌ كل تفاصيل الوجود، فكل الوجود مطيع لله بتكوينه، ‌و‌ اردت لكم ‌ان‌ تطيعوا ‌او‌ امرى ‌و‌ نواهى ‌فى‌ ‌ما‌ يصلح لكم حياتكم ‌من‌ الخير، ‌و‌ يبعدها عما يفسدها ‌من‌ الشر، ‌و‌ لتكونوا المطيعين ‌فى‌ اعمالكم، الشاكرين ‌فى‌ ثروتكم.. ‌و‌ هكذا جعلت التكليف حركه ‌فى‌ اختبار الطاعه، ‌و‌ وسيله ‌من‌ وسائل الشكر، لينتظم الوجود، ‌و‌ يسير نحو اهدافه بطاعتكم الاختياريه، كما انتظم بطاعه الظواهر الكونيه التكوينيه.
     ‌و‌ لكننا لم نمتثل اوامره ‌و‌ لم ننته عن نواهيه، فابتعدنا عن ‌خط‌ طاعته، ‌و‌ اقتحمنا مواقع معصيته، فابتعدنا عن موارد امره، ‌و‌ اقتربنا ‌من‌ ساحات زجره، ‌و‌ كان ‌من‌ حقه ‌ان‌ يعاقبنا، ‌و‌ ‌ان‌ ينتقم منا، ‌من‌ دون امهال ‌و‌ ‌لا‌ تاخير، عدلا ‌من‌ حكمه فينا، لانه اقام الحجه علينا ‌و‌ رغبنا ‌فى‌ الطاعه بالاشاره الى ثوابه، ‌و‌ ابعدنا عن المعصيه بالتحذير ‌من‌ عقابه، ‌و‌ لكنه لم يبادرنا بما نستحقه ‌من‌ العقوبه، ‌و‌ لم يعاجلنا بالنقمه، بل امهلنا تكرما منه ‌و‌ فضلا، ‌و‌ رحمه ‌و‌ لطفا، ‌و‌ تطولا ‌و‌ امتنانا لنرجع اليه ‌من‌ جديد بالتوبه الصادقه، ‌و‌ العمل الصالح، ‌و‌ انتظرنا ‌فى‌ مواقع رافته ‌و‌ حلمه ‌و‌ رحمته، لنسلك الطريق الموصل اليه ‌من‌ جديد، سبيل الطاعه التى هى ‌سر‌ رضاه.
     
    الحمد لله على توبته ‌و‌ احسانه:
     
     نحن الخاطئون الذين احاطت بنا الخطايا ‌من‌ كل جوانبنا، فكانت خطيئه الفكر ‌من‌ خلال ‌ما‌ يوسوس ‌به‌ الشيطان لنا ‌من‌ الافكار الخبيثه ‌و‌ النوازع الخاطئه، ‌و‌ كانت خطيئه القلب، بما تتحرك ‌به‌ العاطفه ‌فى‌ ‌خط‌ الانحراف ليحب اعداء الله ‌و‌ ليعادى اولياءه، ‌و‌ كانت خطيئه الجسد ‌فى‌ المعاصى التى تتجسد فيها المحرمات التى اراد الله لعباده ‌ان‌ يجتنبوها، ‌و‌ المواقف التى اراد لهم ‌ان‌ يبتعدوا عنها، ‌و‌ تثقلنا خطايانا ‌و‌ تقودنا الى مواقع غضب الله، فيكون الهلاك ‌فى‌ المصير الدنيوى ‌و‌ الاخروى عاقبتنا، فنفقد بذلك محبه الله، فيطردنا عن ساحه قربه فلا منقذ لنا منه، ‌و‌ ‌لا‌ ناصر لنا دونه، ‌و‌ ‌لا‌ مهرب منه الا اليه.
     ‌و‌ لكنه لم يتركنا ‌فى‌ هذه الحيره القاتله، ‌و‌ العقده المستعصيه، بل فتح لنا باب التوبه، ‌و‌ دلنا عليها، ‌و‌ عرفنا طبيعتها ‌و‌ وسيلتها ‌و‌ نتيجتها النفسيه ‌و‌ العمليه، ‌و‌ قال لنا: انه (يقبل التوبه عن عباده ‌و‌ يعفو عن السيئات)(الشورى / 25).
     ‌و‌ قال لنا: انه (يحب التوابين)(البقره / 222).
     ‌و‌ عرفنا بما قال الصادق (ع) «التائب ‌من‌ الذنب كمن ‌لا‌ ذنب له». فعرفنا ‌من‌ ذلك ‌ان‌ الخطيئه ليست صفه لازمه للخاطى ء، ‌و‌ ليست عقده عميقه ‌فى‌ وجوده، ‌و‌ ‌ان‌ الذنب حاله طارئه تنطلق ‌من‌ الاستغراق ‌فى‌ حاجات الذات ‌و‌ شهوات الجسد، ‌و‌ الغفله عن الالتزام، ‌و‌ نسيان الله، مما يجعل الخلاص منها بالوعى ‌و‌ التذكر ‌و‌ الانفتاح على الاخره امرا ممكنا، ‌من‌ خلال ‌خط‌ التراجع الذى جعله الله للعاصين التائبين الذين ينطلقون مع التقوى الروحيه ‌فى‌ وجدانهم ‌و‌ خطواتهم حتى (اذا مسهم طائف ‌من‌ الشيطان تذكروا فاذا ‌هم‌ مبصرون)(الاعراف: 201).
     ‌و‌ هكذا كانت التوبه سبيلا لتصحيح المسار، ‌و‌ اصلاح الذات، ‌و‌ تقويم الانحراف للعوده الى ‌خط‌ الاستقامه، ‌و‌ لو ‌لا‌ دلاله الله لنا عليها، ‌و‌ قبوله لنا، ‌و‌ غفرانه لذنوبنا ‌من‌ خلالها، ‌و‌ ابعادنا عن الياس ‌من‌ رحمته، لكنا ‌من‌ الهالكين المتخبطين دائما ‌فى‌ وحول الخطيئه. ‌و‌ فقدان الروح ‌و‌ قسوه الياس، ‌و‌ تلك هى النعمه الكبرى التى ‌لا‌ بدلنا ‌من‌ ‌ان‌ نحمد الله عليها، ‌و‌ نقدم اليه الشكر عليها. ‌و‌ ذلك ‌هو‌ الاحسان العظيم ‌و‌ الفضل الجسيم الذى اختص ‌به‌ هذه الامه ‌من‌ دون سائر الامم، فقد كانت سنته ‌فى‌ التوبه للامم السالفه اكثر صعوبه ‌و‌ تعقيدا فقد روى ‌ان‌ موسى (عليه السلام) سال ربه التوبه على بنى اسرائيل ‌من‌ عباده العجل فقال: الا ‌ان‌ يقتلوا انفسهم، فامرهم موسى بالقتل فاجابوا، ‌و‌ هذا ‌ما‌ جاء ‌فى‌ قوله تعالى: (و اذ قال موسى لقومه ‌يا‌ قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه ‌هو‌ التواب الرحيم)(البقره: 54).
     ‌و‌ هذا ‌من‌ الامور الشاقه الصعبه التى ‌لا‌ يتحملها الانسان الا بجهد نفسى كبير ضاغط على الكيان كله، فلم يكلفنا الله ذلك ‌و‌ وضع عنا ‌ما‌ ‌لا‌ طاقه لنا به، ‌و‌ لم يكلفنا الا ‌ما‌ تتسع له قدراتنا العاديه، ‌و‌ لم يجشمنا الا ‌ما‌ كان يسرا ‌من‌ الاعمال ‌و‌ المواقف، ‌و‌ هذا ‌ما‌ اشار اليه قوله تعالى: (و يضع عنهم اصرهم ‌و‌ الاغلال التى كانت عليهم)(الاعراف: 157).
     ‌و‌ ‌ما‌ جاء ‌فى‌ حديث الرسول عليه الصلاه ‌و‌ السلام: «بعثنى بالحنيفيه السهله السمحه».
     ‌و‌ ‌ما‌ جاء ‌فى‌ قوله تعالى: (و ‌ما‌ جعل عليكم ‌فى‌ الدين ‌من‌ حرج)،(الحج: 78).
     ‌و‌ ‌فى‌ قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ‌و‌ ‌لا‌ يريد بكم العسر)،(البقره: 185).
     ‌و‌ لهذا لم يبق لاحد ‌من‌ المسلمين ‌من‌ اتباع النبى محمد (ص) حجه ‌و‌ ‌لا‌ عذر ‌فى‌ الابتعاد عن الطاعه، ‌من‌ خلال طبيعه التكاليف المتحركه ‌فى‌ دائره اليسر ‌و‌ السعه ‌و‌ السهوله، ‌و‌ هذا ‌ما‌ عبر عنه الامام جعفر الصادق (عليه السلام) ‌فى‌ الحديث المروى عنه:
     قال: «اذا نظرت ‌فى‌ جميع الاشياء لم تجد احدا ‌فى‌ ضيق، ‌و‌ لم تجد احدا الا ‌و‌ لله عليه الحجه، ‌و‌ ‌ما‌ امروا الا بدون سعتهم، ‌و‌ كل شى ء امر الناس ‌به‌ فهم يسعون له، ‌و‌ كل شى ء لايسعون له فهو موضوع عنهم، ‌و‌ لكن الناس ‌لا‌ خير فيهم».
    و بهذا كانت الطريق الى الله ‌و‌ الى الحصول على السعاده ‌فى‌ الدين، ‌و‌ الوصول الى الجنه، مفتوحه للسالكين الراغبين ‌فى‌ رضوان الله ‌و‌ جنته، ‌فى‌ الوقت الذى يهلك المنحرفون عنها، لانهم يوقعون انفسهم ‌فى‌ الهلاك بسبب ضلالهم ‌و‌ تمردهم مما اختاروه لانفسهم ‌من‌ سخط الله.
     
    الحمد لله حمدا ‌لا‌ منتهى لحده...
     
     ‌و‌ يبقى للحمد ‌فى‌ امتداده الدرجه العليا ‌فى‌ ‌ما‌ نختاره منه ‌و‌ ننفتح عليه، لاننا نريد ‌ان‌ نحمد الله لنبلغ ‌به‌ الغايه القصوى، فنتطلع الى اقرب ملائكته اليه، ‌و‌ اكرم خليقته عليه، ‌و‌ ارضى حامديه لديه، ليكون حمدنا له ‌فى‌ مستوى حمد هولاء جميعا، ‌فى‌ روحيه الحمد ‌و‌ اخلاصه ‌و‌ عمقه ‌و‌ امتداده ‌و‌ وعى معانيه.
     ‌و‌ يصعد الطموح، فنتطلع الى حمد ‌لا‌ يصل اليه احد بحيث يفضل باقى الحمد، فلا يقترب حمد منه، تماما كما ‌هو‌ فضل ربنا على جميع خلقه، فيتفرد حمدنا له كما تفرد سبحانه بالفضل.
    و اذا كنا نحمده ‌فى‌ مواقع نعمه ليكون الحمد تعبيرا عن الحمد لله ‌فى‌ معنى الشكر له، فاننا نتطلع الى كل نعمه التى ‌لا‌ نحصيها ‌فى‌ ‌ما‌ انعم به، ‌و‌ ‌ما‌ ينعم ‌به‌ علينا، نحن بنى الانسان ‌من‌ الماضين ‌و‌ الباقين، ليكون حمدنا له عدد ‌ما‌ احاط ‌به‌ علمه ‌من‌ نعمه علينا ‌فى‌ جميع الاشياء، ليكون هناك مكان كل نعمه ‌ما‌ يقابلها اضعافا مضاعفه ‌من‌ الحمد الخالد ‌فى‌ حجم الابد المستمر الى يوم القيامه، حتى تكون حركه الوجود ‌فى‌ الانسان مرادفه لحركه الحمد ‌فى‌ وجدانه ‌و‌ لسانه، فلا يكون له ‌حد‌ يصل اليه، ‌و‌ ‌لا‌ عدد ينتهى اليه، ‌و‌ ‌لا‌ غايه يقف عندها، ‌و‌ ‌لا‌ امد ينقطع فيه.
     
    ثم ‌ان‌ للحمد ‌فى‌ ‌و‌ عينا الايمانى وظيفه ‌فى‌ حركه القرب الى الله، بما يختزنه ‌فى‌ مضمونه ‌من‌ ايماننا ‌به‌ وحبنا له ‌و‌ خوفنا منه ‌و‌ رغبتنا اليه، ‌و‌ خشوعنا له ‌و‌ خضوعنا لربوبيته، فيكون له تاثيره الايجابى ‌فى‌ الوصول الى درجه طاعته ‌و‌ عفوه، ‌و‌ الحصول على رضوانه ‌و‌ الوسيله الى مغفرته، ‌و‌ ليكون طريقا الى جنته ‌و‌ حارسا ‌من‌ نقمته ‌و‌ سببا للامن ‌من‌ غضبه، ‌و‌ معينا على طاعته، ‌و‌ حاجزا عن معصيته، ‌و‌ عونا على تاديه حقه ‌فى‌ ‌ما‌ كلفنا ‌به‌ ‌من‌ الانقياد لكل اوامره ‌و‌ نواهيه، ‌و‌ القيام بوظائفه التى تلتقى بمسوولياتنا العامه ‌و‌ الخاصه ‌فى‌ الحياه، ليكون ذلك كله اساسا للسعاده الدنيويه ‌و‌ الاخرويه، فنكون ‌من‌ السعداء الذين يعيشون فرح السعاده ‌فى‌ رضوانه ‌و‌ ‌فى‌ نعيم جنته.
     ‌و‌ لنكون- ‌فى‌ جهادنا لانفسنا ‌فى‌ التمرد على نوازعها الخبيثه ‌و‌ اوامرها السيئه، ‌و‌ ‌فى‌ مواجهه الضغوط القاسيه التى تريد ‌ان‌ تفرض علينا الانحراف مما يضغط ‌به‌ اعداء الله- معدودين ‌من‌ الشهداء الذين جاهدوا بانفسهم ‌فى‌ سبيل الله، فبلغوا الدرجه العليا ‌فى‌ كرامه الله لهم، عندما سقطوا ‌فى‌ ‌خط‌ المواجهه بسيوف اعداء الله، ليلتقى لديه الشهداء الاموات الذين ‌هم‌ احياء عند ربهم يرزقون، ‌و‌ الشهداء الاحياء الذين يموتون ‌فى‌ كل يوم ميته جديده ‌فى‌ ‌خط‌ المواجهه الفكريه ‌و‌ الروحيه ‌و‌ العمليه ‌ضد‌ اعداء الله، ليحيوا غدا عند ربهم ‌فى‌ منزل كرامته ‌و‌ الله ‌هو‌ الولى الحميد.

     
    FirstName :
    Lastname :
    E-Mail :
     
    OpinionText :
    AvrRate :
    %0
    CountRate :
    0
    Rating :